أشارت صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية إلى أن "الاتفاق بين إسرائيل ولبنان، بوساطة الولايات المتحدة، هو اتفاق مهم، ليس لأنه يضمن السلام، بل لأنه يعبر لأول مرة عن تغيير عميق في الوعي اللبناني، وهو تغيير وُلِد من رحم واقع مرير وليس من الأوهام"، معتبرة أن أن "لبنان دفع ثمناً باهظاً ليدرك حقيقة فضل الكثيرون تجاهلها لسنوات: حزب الله لا يحمي لبنان، بل يدمره. هذا ليس جيشاً لبنانياً بل هو جيش إيراني يعمل على الأراضي اللبنانية، يخدم أهدافاً إيرانية ويضحي بالمصلحة الوطنية اللبنانية لصالح استراتيجية طهران. لقد منع الحكومات اللبنانية من فرض سيادتها على كامل أراضيها، وأضر بالاقتصاد، وأضعف مؤسسات الدولة، وجرّ المواطنين اللبنانيين المرة تلو الأخرى إلى حروب لم تخدم مستقبلهم".
واعتبرت أن "تصريحات أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، الذي اعترف فعلياً بأنه لا مجال للمقارنة بين قوة الجيش الإسرائيلي وقوة الحزب، تعكس عمق هذا التغيير. عندما تعترف حتى قيادة حزب الله بفجوات القوة، يصبح من الصعب الاستمرار في بيع أسطورة "جيش المقاومة" الذي لا يقهر للجمهور، إلا أن الاتفاق، مهما كان جيداً، ليس سوى إطار عمل. فالتاريخ يعلمنا أن الشرق الأوسط لا يُختبر بجودة الوثائق، بل بجودة التنفيذ. الاتفاقيات تنجح أو تفشل بناءً على تطبيقها، وليس بناءً على الصياغات المكتوبة فيها".
ولفتت إلى أن "المعركة الحقيقية لن تُدار فقط ضد مستودعات الأسلحة، منصات الإطلاق، أو الأنفاق. بل ستُدار على قلب المواطن اللبناني. لسنوات طويلة، كان لسكان جنوب لبنان عنوان واحد تقريباً لكل احتياجاتهم: حزب الله. لم يوفر الحزب السلاح فحسب، بل وفر الوقود، والرعاية الاجتماعية، والخدمات الصحية، والتعليم، والمساعدات الاقتصادية، وفرص العمل. وبهذه الطريقة بنى مصدر قوته الحقيقي: الحاضنة الشعبية".
واعتبرت أنه "إذا تدفقت الأموال الإيرانية لإعادة الإعمار والرفاهية بعد دخول الجيش اللبناني إلى الجنوب، في حين تكتفي الدولة بنشر قوات الأمن فقط، فلن يتغير شيء جوهري، لأن النبع الذي يجند منه حزب الله كوادره البشرية سيستمر في التدفق"، مضيفة: "لذلك، إلى جانب انتشار الجيش اللبناني، يجب أن تأتي الحكومة اللبنانية أيضاً. ليس فقط بالزي العسكري، بل بالوزارات الحكومية أيضاً. ليس فقط بالحواجز، بل بالخدمات الصحية، والرفاه، والتعليم، والتوظيف، وإعادة تأهيل المجتمع. يجب أن يشعر المواطن بأن الدولة هي عنوانه الأول وليس حزب الله. هذا تحدٍ هائل تأخذه الحكومة اللبنانية على عاتقها بشجاعة كبيرة".
ورأت أنه "بنفس القدر، يتعين على الحكومة اللبنانية أن تفكك تدريجياً البنية التحتية المدنية والاقتصادية للحزب: محطات الوقود، شبكات الخدمات، الشركات، مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وكل تلك الآليات التي جعلت من حزب الله دولة داخل دولة"، مشددة على أن "تفكيك القدرات العسكرية أمر مهم، لكن تفكيك مصادر القوة المدنية لا يقل أهمية".
وأشارت إلى أن "لإسرائيل أيضاً مصلحة واضحة في نجاح هذه العملية. لقد اعتدنا لسنوات على التفكير في العلاقات مع لبنان بمصطلحات الردع فقط. بيد أن الواقع الجديد يتيح التفكير أيضاً بمصطلحات المصالح المشتركة. إسرائيل ليست التهديد الرئيسي للبنان، بل قد تصبح بالنسبة للعديد من اللبنانيين جزءاً من الحل"، معتبرة أنه "يمكن لإسرائيل أن تساعد، بشكل مباشر أو غير مباشر، علناً عندما يكون ذلك ممكناً، وبسرية عندما يتطلب الأمر. يمكنها توفير الغاز الذي سيسهم في استقرار قطاع الطاقة اللبناني، ومشاركة المعلومات الاستخباراتية التي ستساعد الحكومة اللبنانية في مواجهة محاولات إيران لإعادة التموضع، والعمل ضد التهديدات الإقليمية قبل أن تصل إلى الأراضي اللبنانية".
ورأت أن "نجاح الاتفاق لا يعتمد فقط على تفكيك سلاح حزب الله، بل على استبدال مصدر السلطة في عيون المواطن. وطالما ظل المواطن يعتقد أن حزب الله يهتم به أكثر من حكومته، فإن الحزب سيجد طريقاً للتعافي. أما عندما تكون الحكومة اللبنانية هي من يوفر الأمن الشخصي، الخدمات، والأمل في المستقبل، فإن قاعدة قوة حزب الله سوف تتفكك".
وأضافت: "بعد أن فقدت إيران جزءاً كبيراً من نفوذها في سوريا، نشأت نافذة فرص نادرة لتقليص قبضتها في لبنان أيضاً. هذه معركة طويلة ومعقدة، ولكن لأول مرة منذ سنوات، هناك تطابق في المصالح بين إسرائيل، والحكومة اللبنانية، وغالبية مواطني لبنان: دولة لبنانية ذات سيادة، فاعلة، وحرة من سيطرة جيش أجنبي".
واعتبرت أنه "إذا عرفنا كيف نحول الاتفاق من وثيقة سياسية إلى خطة تنفيذية مدنية، اقتصادية وأمنية، فربما ننظر إلى الوراء في المستقبل ونرى فيه ليس مجرد محاولة فاشلة أخرى، بل نقطة تحول تاريخية غيّرت الواقع على الحدود الشمالية وفي الشرق الأوسط بأكمله. ما يتبقى لنا ليس فقط الأمل، بل العمل بكل طريقة ممكنة لكي ينجح رئيس لبنان والحكومة اللبنانية في الصمود أمام هذا التحدي".



















































